"أصبحت الشمس أكثر برودة حتى لم تعد الحياة ممكنة على كوكب الأرض وليس من حل لبقاء البشرية سوى الخروج من
المجموعة الشمسية برمتها والبحث عن وطن بديل"، تلك هي قصة فيلم "اغتراب
الأرض"، الذي يستحق مكانا مميزا بين أفلام هوليوود.
لكن "اغتراب
الأرض" ليس أمريكيا، وليس ممثلوه من البيض، بل جاء عن رواية صينية للخيال العلمي بنفس الاسم للمؤلف تسيشين ليو، وفيه الصينيون هم منقذو البشرية،
وليس الأمريكيون. لقد اعتدنا أن تأتي قصص الخيال العلمي من الغرب، وأن يكون أبطالها غربيين، غير أن مؤلفين ببقاع أخرى خرجوا هم أيضا برؤاهم للمستقبل، وفي السنوات الأخيرة ازدهر الخيال العلمي الصيني من قبيل روايات تسيشين ليو المتميزة.
- ليدي غاغا تتألق في فيلم "ميلاد نجم" مع برادلي كوبر
- هل تعد ملحمة الأوديسا أروع قصة في تاريخ البشر؟
ويقول مينغ-وي سونغ، الأستاذ المشارك بكلية ويلزلي والمتخصص في الأدب والخيال العلمي الصيني: "أصبح الخيال العلمي ظاهرة كونية، وهي ظاهرة من بين أبرز تطوراتها الخروج من فلك الغرب ومن الهيمنة الإنجليزية-الأمريكية تحديدا".
ويشهد الخيال العلمي حراكا سواء على الساحة الروسية - التي أسهمت منذ القرن التاسع عشر - إلى ما يعرف بالرؤية الأفريقية للمستقبل، وتمثل تحركا يعكس ما تعرض له السود من القمع، إلى الكتب الصينية التي تطرقت للماضي الثوري، ومزجت بينه وبين خيال الفضاء؛ وحتى الأفلام المكسيكية المتأثرة بقضايا الهجرة والتجارة الحرة.
وتؤكد أنينديتا بانرجي، الأستاذة المشاركة بجامعة كورنيل، ذلك الأمر قائلة إن بقاعا "لم نعتدها أنتجت أفضل قصص الخيال العلمي، ورغم أن العالم بدأ مؤخرا ينتبه لمناطق مثل الصين وأفريقيا إلا أن إسهام تلك المناطق في تاريخ هذا النوع من الأدب المنتعش حاليا يعود إلى قبل ذلك بكثير".
وحاليا بدأ الخيال العلمي الصيني في الرواج في الغرب بفضل ترجمة أعمال لكتاب مثل تسيشين ليو، وهاو جينغ-فانغ للإنجليزية، ولكن هناك من الأعمال ما يسبق هؤلاء المعاصرين بزمن.
وقد شهد أدب الخيال العلمي ثلاث مراحل في تاريخ الصين، كان أولها بعد سقوط الإمبراطورية عام 1902، والثانية إثر الثورة الصينية عام 1949، وحاليا المرحلة الثالثة بدءا من التسعينيات مع تسارع وتيرة التطوير في البلاد.
ويعقب مينغ-وي قائلا: "شهدت التسعينيات ظهور جيل جديد من الكتاب".
وقد صدرت الطبعة الأولى لقصة تسيشين "معضلة الأجسام الثلاثة" عام 2006، ويُعزي إليها الفضل في إيصال الخيال العلمي الصيني إلى العالمية. وفي عام 2014 ترجمت الرواية إلى الإنجليزية ولم يمض عام إلا وحازت على جائزة هوغو الأبرز لأعمال الخيال العلمي.
وتحكي قصتها عن عالم فضاء ينخرط في أبحاث تباشرها الحكومة سرا خلال الثورة الثقافية الصينية، مما يؤدي إلى توجيه دعوة بالخطأ لكائنات فضائية للقدوم إلى الأرض.
ويمثل الخيال العلمي الصيني انعكاسا لصعود الصين السريع على درب الحداثة، وهي الفكرة التي تشغل بال الغرب أيضا.
ويتجاوز هذا النوع من الأدب ذلك الأمر، ليتطرق إلى قمع حرية التعبير؛ إذ يعكس واقعا قاتما لا يراه العالم الخارجي كثيرا. وتعبر أعمال تسيشين ليو عن ذلك بتقديم واقع موازٍ وعالم لا يخضع لقوانين الطبيعة المعروفة، بينما تعرض رواية هاو جينغ-فانغ بعنوان "طي بكين" مستقبلا طبقيا صارما بالعاصمة الصينية حيث تدور الأرض لتمنح ثلاث طبقات اجتماعية كميات متفاوتة من الشمس.
ويقول مينغ-وي: "للموجة الجديدة من الخيال العلمي جانب متمرد خفي يعمل على إخراج واقع غير معروف إلى النور، ويتطرق إلى استحالة تحقيق حلم وطني كثيرا ما يمتدح في العلن".
وتستعرض "معضلة الأجسام الثلاثة" والخيال العلمي الصيني عموما قضايا مثيرة للجدل، إذ تستهل "المعضلة" بتعرض والد الشخصية الرئيسية للفتك على أيدي العامة في إطار "حراك جماعي" إبان الثورة الثقافية.
ويضيف مينغ-وي: "كثيرا ما أدهشني استمرار هذا النوع بنجاحه رغم ما ينطوي عليه أحيانا من جراءة وتمرد، فحتى الآن لم يطاله مقص الرقيب. وأعتقد أن السبب في ازدهاره هو أنه ليس وسيلة احتجاجية معتادة بل هو نوع من الخيال يسبر أغوار واقع خفي دون تحدي السلطات الصينية بشكل مباشر، فالخيال العلمي يصور جانبا متواريا كثيرا ما يختفي من الواقع الصيني خلف صورة الصين الصاعدة بقوة".
ومن الأشكال الأخرى للواقع المغاير ما يعرف بالرؤية المستقبلية الأفريقية، إذ تقول سوزانا موريس الأستاذة المشاركة بمعهد جورجيا للتكنولوجيا: "بالنظر إلى الخيال العلمي للمستقبل والأعمال من قبيل 'بليد رانر' أو 'ذا جيتسونز' ترى المستقبل للبيض فقط، ولا مكان فيه للملونين. لكن الرؤية الأفريقية للمستقبل تعيد تخيل المستقبل بوضع السود في المقدمة".
وتعود جذور الرؤية المستقبلية الأفريقية إلى الوقت الذي كتب فيه ويليام إدوارد برغهارت دوبويس قصته القصيرة عام 1920 بعنوان "المذنَّب" وفيها تَصور انتهاء الجنس البشري عن بكرة أبيه باستثناء رجل أسود وامرأة بيضاء.
وفي عام 2018 كان المثل الأفضل تجسيدا للرؤية الأفريقية المستقبلية هو فيلم "النمر الأسود" بتصويره لبطل خيالي ولبلد افتراضي يدعى "واكاندا" وهو بلد أفريقي لم يخضع لاستعمار بل تطور تلقائيا ويملك المورد الأهم للأرض وهو "الفيبرانيوم"، في خلفية يرتسم عليها مجتمع مستقبلي أسود بحسب الفيلم.
No comments:
Post a Comment