Tuesday, December 11, 2018

الخديعة «الإخوانية» على شاشة «أبو ظبي»

طالما خلت المنصات والبرامج التلفزيونية والإعلامية في الفضاءات العربية والإسلامية من معالجات نقدية وفكرية تفكيكية جادة ورصينة لخطاب «الإسلام السياسي» وسردياته الملتوية والعنفية عبر دحض وكشف ستار خطاب المخاتلة والتقية والسعي الى توظيف الدين وسيلة للوصول الى السلطة وقولبة المجتمعات والشعوب في قوالب مؤدلجة جامدة هادفة لمصادرة الحريات وكبت التعددية وفرض الأحادية .

من هنا تأتي أهمية برنامج «الخديعة» الذي انطلق أخيراً على شاشة قناة «أبو ظبي» من تقديم الإعلامية السورية زينة يازجي ويعرض كل أحد والمختص بنقد مشروع «الإخوان المسلمين» وكشف حقيقته الظلامية. فالإخوان المسلمون، كما يرى كثيرون، جذر ومرجعية مختلف الحركات والجماعات الإسلاموية الإرهابية. ومن الضرورة الانسانية والأخلاقية والدينية فضح هذه الجماعة الأخطبوطية الخطرة وتعرية أساطيرها المؤسسة وذلك عبر رفع الغطاء عن الخديعة الكبرى القائمة على ادعاء التوكيل والتكليف السماويين وتسييس الدين وإقحامه في الفضائين العامين السياسي والسوسيولوجي والتستر خلفه واستخدامه مطية لفرض أجندات الإخوان ومشروعهم الاستبدادي .

فالبرنامج والحال هذه ينحو منحى تعرية الخطاب الاخواني وتجريده من الأقنعة بوصفه خطاباً أحادياً سلطوياً عنفياً وارهابياً، يسعى للهيمنة والسيطرة على مختلف بلدان المنطقة ومجتمعاتها بغية إقامة الدولة الإخوانية المنشودة.

ولعل دور الإخوان التدميري خلال مرحلة ما سمي «الربيع العربي» وتخادمهم مع أنظمة الاستبداد العسكري عبر نفخ الطرفين في أوزار الحروب الأهلية والطائفية والصراع المجنون على السلطة ليس بحاجة الى إسهاب. فالإخوان كما لا يخفى عملوا جاهداً على ركوب موجة الاحتقانات الشعبية والمجتمعية المتراكمة مستفيدين من ضعف الوعي الحقوقي والمدني الديموقراطي بفعل التصحر الاجتماعي - السياسي المديد العاصف بالمنطقة، محاولين الاستحواذ على السلط وتشييد أنظمتهم الكهنوتية المتخلفة .
من هنا أهمية البرنامج في فضح هذه الحركة الأصولية البالغة الخطورة على حاضر ومستقبل دول وشعوب بأكملها في هذا الجزء من العالم وإسقاط القناع عن وجه الخديعة الإخوانية المهلهل والمثقوب بمئة ثقب وثقب. جحا التاريخ والرمز؛ هذا الإرث الإنساني الكبير؛ الذي يحتل جزءا من الذاكرة الجمعية، ولا غرابة أن يعتقد البعض بوجود جحا واحد فقط لا غير؛ إلا أن الواقع يخبرنا أن هناك جحا التركي (خواجة نصر الدين)، والإيراني (ملا نصر الدين)، والأرميني (آرتين)، واليوغسلافي (آرو)، والمالطي (جوهان)، والإيطالي (برتلدو)، والروسي (بلدكييف)، والألماني (تل أوبلن شبيجل)، واليوناني (ديوجين)، والهندي (الشيخ تشللي)، واليهودي (كوهين، والإنكليزي (   ) الذي أخذه منا العرب، وهناك أيضاً جحا الأفريقي، والآسيوي.

الشخصية الحجوية: كل الشعوب والأمم تقريبا بلا استثناء صممت لنفسها جحاها الخاص بها، ومع اختلاف الأسماء، والحكايات؛ إلا أن شخصية جحا المركوزة في الأذهان تكاد تكون ذلك الحيال الذي يتصنع الحماقة، وحماره لم تتغير، وربما أصبحت كالعلامة المميزة له؛ فبينما تجده ملا نصر الدين الهزلي في إيران؛ تجده خواجة نصر الدين الحكيم في تركيا، أو غابروفو المحبوب في بلغاريا، أو آرو المغفل في يوغسلافيا، أو آرتين صاحب اللسان السليط في أرمينيا، ويمكننا أن نخرج من مجموع هذه الكاركترات التي رسمتها الشعوب له؛ بأنه شخصية بسيطة محبوبة غير متكلفة على طبيعتها سليطة في بعض الأحيان يعروها الغفلة في أوقات كثيرة لا تخلو من المكر المحبب بريئة إلى حد كبير؛ ربما كانت المواقف التي تصطنعها، ويغلب عليها التغافل هي من جلبت لها هذه المحبة، إنه لمن المؤكد أن الشخصية المرحة الساذجة البسيطة التي لا تلي منصبا مرموقا يحسدها الناس عليه؛ وتكون أقرب إلى الفقر من الغنى، وتفتعل المواقف الطريفة، وتكون قادرة على زرع الابتسامة، وإظهار المفارقة في حياتنا؛ بأسلوبها الساخر، والمحكم هي شخصية جاذبة، ومدهشة وتستقطب الناس.

الكراكتر الجحوي بين النمطية والـتأثير: لو أخذنا أحد هؤلاء الجحوات (نصر الدين خوجة)؛ فوفقا للبرفيسور مكايل بيرم التركي من أصول إيرانية؛ فإن اسمه ناصر الدين محمود الخوئي من مقاطعة أذربيجان في إيران، أرسله الخليفة في بغداد لتنظيم المقاومة ضد الغزو المغولي على أن بعض الكتاب الإيرانيين يقول إنه من أهل أصفهان واسمه مشهدي.
أما جحا العربي فهو دجين بن ثابت الفزاري تابعي، ويرى البعض أسبقية ظهور شخصية جحا وأولية إبداعها في التاريخ العربي، والبعض يرى أن الأهم هو أننا أحيينا هذه الشخصية فينا مع تعاقب الأزمان، والأجيال ليظل المبدع هو القادر على نقلنا من معرفتنا المكتسبة إلى يقظة الفكر، ويحدد محمد رجب النجار في كتابه «جحا العربي» ملامح هذه الشخصية بأنها الناقد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي؛ ولكن بأسلوب ساخر ذلك الذي يهون على الناس ما يعانون، ويعود السبب في انتشار شخصية جحا إلى أن الوجدان الجمعي للشعوب يبادر فينتخب رمزا فنيا ساخرا يعكس من خلاله آراءهم في السلطتين العسكرية والسياسية ؛ إلا أن من نافلة القول أن هذه الشخصية الكاريكاتورية المضحكة في الأدب الشعبي استطاعت أن تفعل ما لم يستطعه غيرها وما لو فعله أحد سواها لتعرض للتنكيل والعذاب ألا وهو نقد الحكام، والسخرية من ظلمهم، وسوء إدارتهم للبلاد، وهذا أمر ملاحظ؛ أن الجهات الرسمية يتسع صدرها كما هو مشاهد للنقد في المسرحيات المضحكة التي تأخذ الطابع الهزلي غير الجدي أكثر منه في البرامج الحوارية التي تأخذ طابع الجد، والمعارضة الواضحة؛ وربما هذا من بركات جحا على الشعوب حيث ألهمها النقد في قالب الكوميديا، ولو أخذنا نموذجا جحويا كما في جحا الألماني؛ لرأيناه يظهر بشخصية الريفي سليم الفطرة، الساخر من أهل المدن، وفي ذلك قصة في تراثهم تروى: سأل أحدهم تل (جحا) كم من الزمن يلزمني للوصول إلى مدينة كذا فقال له تل: سر في طريقك فحسبه الرجل لم يسمع فأعاد السؤال، وأعاد (تل) الإجابة نفسها؛ فغضب الرجل وقال له أجب عن سؤالي يا غبي ثم تركه ومشى في طريقه يكيل له اللعنات، وابتعد عنه قليلا هنا صاح (تل) وطلب منه أـن يتوقف، وألقى إليه بهذه الحكمة إذا سرت على هذا النهج بلغت المدينة بعد ساعتين.

وهنا نسأل هل كان جحا في حاجة لقياس اتساع خطوات الرجل، أو للإجابة الرياضية المحددة الدقيقة؛ ألم يكن في وسعه أن يخمن المسافة فإن كانت هي الدقة في الحساب فإنه يدل على عقل رياضي غير عادي؛ إلا أننا نستطيع أن نفهم من هذه القصة مدى الحكمة والتأني الذي كان عليه جحا فهو شخص ليس عجولا، ولا يلقي الكلام على عواهنه؛ وربما غاية ما في الأمر أنه لم تعجبه شخصية السائل فأراد أن يعطيه درسا، وعلى كل حال؛ فجوابه يقطر حكمة وإفحاما. وكما نرى يظهر من جحا الألماني الجدية والالتزام المعروف بهما الألمان، وهذا ما يجعلنا نشاهد أن الجحوات يختلفون بحسب البلدان؛ فلو جئنا مثلا لشخصية جحا العربي؛ فإنا نجده ذلك الرجل الكبير في السن، الفقير جدا مع زوجة واحدة، وولد واحد، وحمار؛ إذا كسب بعض المال فمن المتوقع أن يخسره لكنه مع ذلك قنوع، وتراه ممتنا ألا يحدث الأسوأ في حياته، وإذا تأملت هاتين الصورتين النمطيتين عن جحا؛ وهي كونه فقيرا جدا، وأنه يتمنى عدم حدوث الأسوأ لرأيتهما صورة حقيقية لوضع الشعوب، فهي في الغالب تشتكي الأوضاع الاقتصادية غير الجيدة؛ كما أنها تضع يدها على صدرها من خوف وقوع الأسوأ في المستقبل.

جحا الضمير الشعبوي

يمكننا أن نقول إن جحا ضمير الشعب أو اللسان المعبر عنه. أما في القصص الهندية فنرى جحا دائما شخصا خاسراً ينبغي الحذر منه، فهو مخلوق ضعيف يستسلم للقوي. أما في الحكايات الصقلية والعربية فإنه يبرز قدره فائقة على الخداع حتى في أكثر الحالات خطورة ويجيب بأجوبة مبهرة؛ سألته زوجته يوما: من أعظم السلطان أم المزارع «جحا لا يحتاج إلى أكثر من نصف دقيقة حتى يجيب؛ أجاب جحا المزارع طبعا؛ لأنه إذا كان المزارع لا ينتج الطعام أين سيكون السلطان إنه سيموت من الجوع على جانب النهر». وهذه الحكمة العميقة السهلة التي تدعو إلى التفكر، وتوقظ الشعوب إلى أهميتها، وتجعل الحاكم هو من في حاجة المواطن لا العكس، وقد تجد في النوادر المشهورة كنادرة «خطبة الجمعة» أو «تسلق الشجرة» إشارات ولمحات عميقة جدا، ففي نادرة خطبة الجمعة يرشدنا جحا إلى وجوب هجر المواضيع المألوفة التي اعتاد الخطباء والناس تناولها، وكأنها دعوة لتجديد الخطاب الديني بما يوافق حاجات العصر. وأما نادرة تسلق الشجرة وأخذه حذاءه معه فهو دعوة للتسامي والبحث عن الذات في مكان أعلى وأكثر رقيا.

وقد تنوعت موضوعات النوادر الجحوية وهو ما يعني استحالة أن تصدر جميعها عن شخص واحد كما يرى العقاد، ونستطيع القول إن جحا ظهر لأول مرة تقريبا في القرن التاسع الميلادي، أو قبله بقليل وسرعان ما انتقل إلى عالم البحر المتوسط، وتابع العرب إلى صقلية وأصبح يعرف بـ (غويفا) وفي تركيا اندمجت أسطورته مع صوفي يدعى نصر الدين في حين أن العثمانيين قاموا بتصديره إلى البلقان.

وفي الثقافة السواحلية الإندونيسية يتم إخبار العديد من قصصه تحت اسم (أبو نواس) وهذا ما يجعله يختلط مع الشاعر المعروف بأبي نواس، وفي الصين يعتقد أنه أيغوري من شينجيانغ؛ في حين يعتقد الأوزبك أنه من بخارى. وعلى ما يظهر أن القول إن العرب هم الذين صدروه للعالم هو الأقرب. إن جحا من خلال حياته والعديد من نكاته ليس إلا شخصا يمسك مرآة عاكسة لمدى الهشاشة والقوة في النسيج المجتمعي غالبا ما تظهر في ثوب المفارقة؛ حتى تمدد في الحياة الثقافية لكل الشعوب، وهذا ما يعطيك دلالة واضحة أن الشعوب أنى توجهت شرقا أو غربا لديها نفس الهموم؛ فهي تشتكي من وطأة الحكم وتطمح للديموقراطية، والعدالة وتريد اقتصادا عادلا، وحرية معقولة.

جحا والحالة الغربية:

بالنسبة للغرب فقد نما في مخيلة الجماهير الغربية شخصيات مغولية مثل سندباد، وعلي بابا ينطوي تحتها السحر الشرقي، والكنز الخفي ن ومعارك السيوف؛ ومع ذلك فإن جحا يتمتع بشعبية طيبة لديهم حتى قيل إنه من ألهم الرواية الإسبانية العظيمة (دون كيشوت)؛ التي تعد أشهر رواية في التاريخ حسب تصنيف أعدته هيئة الكتب النروجية عام 2002، وقد ألف الكاتب الروسي ليونيد سولوفيف كتاب مغامرات بخارى (1938) واتخذ من شخصية جحا داعية جوالا يضطرب في البلاد الآسيوية هربا من ظلم الحكام. كما يظهر جحا أيضا كمعارض حكيم في الحكايا البغارية (سلي بيتر)؛ حتى إنه كان الشخصية الرئيسة في إحدى المجلات التي أطلق عليها (ملا نصر الدين) 1906-1917 التي نشرت في أذريبجان، وقرئت عبر العالم بلغات عدة أسسها خليل زاده مظهرا عدم المساواة، والاستيعاب الثقافي، والفساد ساخرا من أنماط الحياة المختلفة، ومن رجال الدين المتطرفين داعيا إلى قبول الممارسات الغربية؛ وقد تم حظر المجلة عدة مرات، ومع ذلك فقد كان لها تأثير على الأدب الأذربيجاني، والإيراني.